الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
56
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
ظاهرة على أن الحمل يقع على الوجهين ويصح بالظاهر في الصّورتين بخلاف عدم صحة السّلب ويومي إلى ذلك أن إطلاق اللفظ على معناه المجازي بمنزلة حمله عليه حملا ذاتيا بالنظر إلى المفهوم الّذي استعمل اللفظ فيه وحمله شائعا بالنّسبة إلى الفرد الّذي أطلق عليه كما في استعمال الأسد في مفهوم الشّجاع وإطلاقه على زيد فلو كان الحال على ما ذكر لكان مطلق الاستعمال دليلا على الحقيقة وقد عرفت ما فيه فإن قلت أي فرق بين عدم صحة السّلب وصحّة الحمل حال الخلو عن القرائن مع أن ظاهر اللفظ حينئذ حمله على الحقيقة في المقامين فكما أن عدم صحة السّلب إذن يفيد عدم صحة السّلب معناه الحقيقي عنه كذا يفيد صحة الحمل على معناه الحقيقي عليه فيتحد المفاد فيهما قلت الفرق بينهما أن نفس ملاحظة الموضوع قد يكون قرينة على إرادة المعنى المجازي في المحمول أو بالعكس فإن كون الموضوع هو البليد في قولك البليد حمار شاهد على إرادة المعنى المجازي من الحمار لعدم إمكان حمله عليه إلا بذلك الاعتبار فتلك الملاحظة يصحّ حمله عليه وإن صحّ مع ذلك سلبه عنه وأيضا فمجرّد صحّة الحمل لا ينهض دليلا على الوضع نعم قد يفيد ذلك بملاحظة ما ينضم إليه في خصوص المقام ولا كلام فيه وهذا بخلاف عدم صحة السّلب فإن نفس ملاحظة الموضوع والمحمول هناك لا تقضي بصرف اللفظ عن ظاهره والمفروض خلو المقام عن القرينة فيكون المحكوم بعدم صحّة سلبه عنه هو معناه المنصرف إليه عند الإطلاق وليس إلا معناه الحقيقي في نفس الأمر فتأمل وممّا قرّرنا يظهر ضعف ما ربما يظهر من بعض الأفاضل من دلالة الحمل على الحقيقة ومع النقض عن ذلك فلو قلنا بدلالة الحمل على الحقيقة كان ذلك في نفسه أمارة عليها فلا ربط له بدلالة التقسيم على الحقيقة كما هو الملحوظ في المقام ثالثها أن الغالب في التقسيمات وقوع القسمة بملاحظة المعنى الحقيقي فالظنّ يلحق المشكوك بالأعم الأغلب وفيه تأمل إذ لا بدّ في الغلبة المعتبرة في أمثال المقام أن تكون بحيث تفيد ظنّا في المرام لدوران الأمر في الأوضاع مدار الظن وكونها في المقام على النحو المذكور غير واضح وما ذكر من أن الظن يلحق المشكوك فيه بالأغلب ليس على إطلاقه نعم قد يستفاد من التقسيم ظن بذلك بعد ملاحظة خصوصيّة المقام وهو كلام آخر وحينئذ فلا مانع من الاستناد إليه في ذلك المقام ثم إن ما ذكرناه من دلالة التقسيم على الحقيقة وعدمها إنّما هو بالنّسبة إلى تقسيم العام المنطقي إلى جزئيّاته كما هو الظاهر من كلام جماعة والظاهر جريان الكلام المذكور بالنسبة إلى تقسيم الكل إلى أجزائه وتقسيم العلم الأصولي إلى جزئياته فيفيد ذلك بناء على ظهور القسمة في تعلقها بالمعنى الحقيقي اعتبار كل من الأجزاء المفروضة في المسمّى واندراجه في الموضوع له اندراج الجزء في كله بالنسبة إلى الأوّل واندراج كل من تلك الجزئيات فيه اندراج الخاص تحت العام الأصولي في الثاني فيفيد وضع اللفظ المتعلق للعموم لما يعم الأقسام المفروضة ومنها أصالة الوضع للقدر المشترك إذا وجد اللفظ مستعملا في معنيين وأزيد وكان هناك معنى جامعا بين المعنيين أو المعاني المفروضة صالح لتعلق الوضع فيه فالمختار عند بعضهم جواز الاستناد إليها ولذا وقع الاحتجاج بها في جملة من المباحث الآتية وهو المحكي عن الفاضلين والرّازي والبيضاوي وصرح جماعة بالمنع منه كما هو ظاهر آخرين الأوّل أنه لو قيل بوضعه لو أحد منها وأن الباقي لزوم المجاز وإن قيل بوضعه الكل للزم الاشتراك في كل من الأمرين مخالف للأصل فلا بد من القول بوضعه للقدر المشترك خاصّة حتى تقوم الدّليل على خلافه ويرد عليه أن القول بوضعه للقدر المشترك يقتضي بكونه مجازا في كل من قسميه أو أقسامه فيلزم زيادة المجاز وأجيب عنه بأن تعدّد المجاز لازم على تقدير اختصاص الوضع لواحد من القسمين أو الأقسام أيضا إذا فرض استعماله في القدر المشترك وفيه أن التساوي كان في الإيراد على أنه قد رجح ارتكاب التجوز في القدر المشترك لقلة استعماله فيه بحيث يعلم عدم إرادة خصوص واحد من القسمين أو الأقسام ويمكن أن يقال إن وضعه للقدر المشترك كاف في كون إطلاقه على كل من القسمين على سبيل الحقيقة إذ لا حاجة إلى ملاحظة الخصوصية في الاستعمال حتى يلزم المجاز بخلاف ما لو إذا قيل بوضعه لخصوص أحد الأقسام فإن استعماله في الباقي في القدر المشترك لا يكون إلا على سبيل المجاز فلا يلزم القول بحصول التجوز في شيء من الاستعمالات بناء على الوجه الأول لإمكان تصحيحه على وجه الحقيقة حسبما قرره ويدفعه أن ذلك إثبات اللغة بالترجيح من غير مرجوع إلى توقيف نعم لو ثبت استعماله في القدر المشترك أمكن الحكم بثبوت الوضع له من جهة الأصل على بعض الوجوه وتوضيح المقام أن كلا من استعمال اللفظ في القدر المشترك خصوص كل من المعنيين أو أحدهما إما أن يكون معلوما أو لا يعلم شيء منهما أو يكون الأول معلوما دون الثاني أو بالعكس فعلى الرابع لا وجه للقول بكونه حقيقة في القدر المشترك مع فرض عدم ثبوت استعماله فيه رأسا وإن احتمل جريان الاستعمالات على إرادته في كثير من المقامات إذ مجرد الاحتمالات غير كاف فيه والاستناد إلى الوجه المذكور تخرج محض لا معول عليه في باب الأوضاع مضافا إلى استلزامه للمجاز أيضا وكذا الحال في الأول والثاني إذ ليس الرجوع إلى ما ذكر استنادا إلى النقل ولا إلى ما يستظهر منه حصول الوضع كما هو معلوم بملاحظة الوجدان نعم لو فرض حصول ظن في المقام أمكن القول بصحة الاستعمال إليه في الجميع كما إذا أطلق على معاني عديدة متكثرة مشتركة في أمر جامع ظاهر يقرب حدا وضعه بإزاء ذلك الجامع فيكون إطلاقه على كل من تلك المعاني من جهة حصوله في ضمنه فإن التزام وضعه إذن لكل من تلك المعاني بعيد جدا لما فيه من لزوم التكثر في الاشتراك المشتمل على زيادة المخالفة للأصل الحاصلة في أصل الاشتراك مضافا إلى ندرة وقوعه في الأوضاع فبملاحظة اشتراكها في ذلك الجامع الظاهر يرجح في النظر تعلق الوضع به وبعد حصول الظن من ملاحظة جميع ما ذكرنا بوضعه للقدر المشترك لا إشكال للحكم به وأما مجرّد ما تقدم من الوجه فليس قاضيا بحصول الظن ومع عدم إفادته